ابن قيم الجوزية

17

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

تعالى ، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه . فكان في طلبة المغضوب عليهم » بموافقة أوليائه له : من الدلالة على تفرده بالإنعام ، وأن النعمة المطلقة منه وحده ، هو المنفرد بها - ما ليس في لفظه « المنعم عليهم » . الوجه الثالث : أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه وتحقيره ، وتصغير شأنه ، ما ليس في ذكر فاعل النعمة ، من إكرام المنعم عليه والإشادة بذكره ، ورفع قدره : ما ليس في حذفه . فإذا رأيت من قد أكرمه ملك وشرفه ، ورفع قدره ، فقلت : هذا الذي أكرمه السلطان ، وخلع عليه وأعطاه ما تمناه . كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك : هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف وأعطي . وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره . فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح . وهي الهدى ودين الحق . ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء . فهذا تمام النعمة . ولفظ « أنعمت عليهم » يتضمن الأمرين . وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين : الجزاء بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان ، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه . فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال . فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم . وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم وعقابه لهم . فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ضلالة وغضب اللّه عليه . فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام ، واقتضاه أكمل اقتضاء ، في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة ، مع ذكر الفاعل في أهل السعادة ، وحذفه في أهل الغضب . وإسناد الفعل إلى السبب في أهل الضلال . وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة ، والغضب والضلال . فذكر